الخميس , 9 أبريل 2020
آخر الاخبار
سينوغرافيا المشهد في لوحة …. نودمود اله الحكمة

سينوغرافيا المشهد في لوحة …. نودمود اله الحكمة

عمر الصالحي

منذ الازل والانسان يحتك بصورة مباشرة مع البيئة والمناخ لذا اوجد الابتكار ليتكيف بمناخاتٍ شتى لديمومة العيش والتكاثر فلم يقف عاجزاً عن خلق ادوات التواصل من رموز ولغة وعلوم الحياة والتجسيد والبناء والعمارة لتكون وسائل العيش مؤرخةٍ لمستقبل يجهله الاجداد والاسلاف , لايخفى على الجميع ان الارث الحضاري والتاريخي لكل حقبةٍ زمنية اتسم بمعالم الوجود او اسقاط الفرض لعدم زوال تلك الشعوب والرسائل المشفرة التي بعثتها على مدار القرون الماضية والتي رممت نفسها لتشغل ذاك الحيز الكبير في حاضرنا بل فرضت وجودها لتكون هندسة تطويرية في مجالاتها وأختصاصاتها ولكي لا نبخس ذاك الموروث الغني الذي يفيض حاضرنا بالمجد والمباهات بل اصبح مصدر فخرنا وعنوان سارية الوطن فنحن بلد الحضارة الاولى والحرف الاول والارقام الاولى اضافة الى تلك العلوم التي تطورت اليوم لتكتسب وجودها في عالم العلم والمعارف فقد اوجد السومرييون لغة التواصل عن طريق الرموز الطينية ليبسطوا مسميات الاشكال عن طريق الفن التشكيلي العريق بزخ شعاع الفن في ارض الرافدين كمعلم يحتذى به في جميع دويلات العالم كمصدر ولادة تلك العلوم غير قابلةٍ للشك او الانتماء لذا نجد في كل منزلٍ مبدعٍ عراقي يمتاز بجملة معنية من ذاك الارث العميق المعنى , ولدنا بفطرة الاسلاف نصنع مانحتاج اليه من ادوات عن طريق الابتكار العلمي المرتبط بالعروق التاريخية فقد كانت ومازالت المرأة العراقية مصنع وانموذج فذ في التعاطي ومزاولة تلك الفنون والحرفيات العالية في صناعة احتياجات الفرد والشعوب فتميزت المرأة بالخزف والنحت والغزل والنسج وحتى في مجال الطب والاعشاب فقد خلقت من البيئة ادواتها البسيطة كالاواني والسجاد والملابس والادوات الاخرى في عصر لن تخلق فيه التكنلوجيا او العلوم المتطورة وأستخدمت تلك النظريات الهندسية والابتكارات على مدار العصور للتطوير حسب رؤية الشعوب المتحضرة , السينوغرافيا كتصميم فني أو تقنية, تكمن في تصميم وتنفيذ عناصر مشهدية (أو ديكور للسينما والتلفزيون والمسرح). بالإضافة إلى تصميم ملابس الممثلين وأزيائهم وما إلى ذلك من ادوات المشهد البصري المتكامل في عيون المتلقي وهذا ما اشارت اليه الفنانة في لوحتها الغاضبة المغتاضة من شؤم الوضع في بلدها فجمعت مابين الماضي والحاضر عبر بضع وحدات زمنية ترسخت في اطار لوحة تروي لنا الكثير في اشارة مؤلمة مابين الامس واليوم ! رفاء البدري فنانة تنتمي الى المدرسة الواقعية السوريالية فقد تخلت عن التجريد والانطباعية على اعتبار ان الذوق العام اغلق ابواب الابهام والوضوحية اصرت على البساطة والتكنيك في تقديم قضية الشعب من خلال الصورة الواقعية لما يمر به البلد من انتكاسات معنية بالثقافة والادب والفنون فتخذت من فنها منحنى اخر ارادت ان تصرخ عبر فرشاتها في سكون العالم لتوقض الضمائر المترسبة في قعر النهوض الفكري كمن يطلق رصاصة على رأسه كمحاولة اخيرة لجذب النظر ازاء قضايا الامة والوطن اقحمت بعنف الوجود والحياة كرسالة مدوية امام العالم ان مفهوم الحضارة لا يعرف بعمل نحتي في جدار او في لوحة تزدهر بالوانها الصارخة بل ارادت ان تقدم التعريف المنصف لشعبها ان الفكر والنضوج الايدلوجي لطبيعة الارض والبشر يسير بخطى لن تتعثر كحالة تصاعدية من المفهوم العلمي العالي في مجال الفن , للوهلة الاولى لهذه اللوحة تجذبك كمتلقي الشواخص المسرحية في منصة الاطار كقاعدة متينة للجدال والفضول المعلوماتي حين تجد شخصية مر عليها سبعة الاف سنة من الخليقة ولن تحضى بصورة اليوم كشخصية قابلة للرسم من منظور التواجد لذا اعتمدت على التاريخ والتوثيق المعرفي في وصف الآلهة التي اتسمت بالحكمة والعلم عن السومريون وكان يسمى ( اينكي) وهو إله الماء والحكمة عند السومريين . ومركز عبادته كان في مدينة اريدو ، ومعبده يدعى ( آبسو ) ويلفظ اسم هذا الإله السومري باللغة البابلية ( أيا ) ومن القابه نودمود وله عدة اسماء اخرى تتناسب مع طبيعة الشعوب المتتالية او ماخلف تلك الحضارات من رموز , لن تكتفي بالوجع الذي مزق اوراقها قبل لوحاتها حين ادركت ان الشموخ لن يستقر في مجد الإله فقط حيث تمدد هذا المكسب الى عقول عامة الشعب فأصبحت المعارف في متناول عقول البسطاء من حيث الابتكار وخلق فرص اثبات الذات كمفصل اخر تناولته رفاء في سنا العلم فقسمت لوحتها الى ثلاث اجزاء اصرت على المقارنة والاقتران بالواقع فنجد البرائة المطلقة في اقحام الطفل المصهور ازاء مجتمع قاسيٍ على مسيرته ككائن بشري جُل اهتماماته العلم فقد اتخذ من الرصيف خندقاً ومن عمله اثباتاً ومن عزيمته ارثاً لمن سيخلفه وبعفوية اخرى حملت مشقات الحياة والوضع الاجتماعي لحالة تعصف بكل المكونات كأشارة اخرى الى ماتمر به الطفولة من كارثة كبيرة جدا من التخلف والاقصاء عن المجال التربوي والتعليمي ومفصل اخر اكثر رتابة من سابقته انها زجت بقارعة الطريق وما تحمله من حالات تسول وتشرد وتخلف وفجور وفسوق قد يتنامى بشكل مرعب في السنوات القادمة كصورة اخرى واقعية الحال , اما المفصل الاخير او مايسمى من يعيش خلف الشمس ؟ فهذا السؤال الذي لطالما لن يعرف لاحد لانه يفتقد للمنظور المستقبلي فلا احد يعلم من يصرخ كرفاء خلف الشمس ! حقيقة يتيمة تقدمت عنوان العمل اذ ان الامل والنور مازال عالقاً في الماضي كعنوان اخر لحاضرنا فنحن البلد الوحيد الذي نتشبث بماضينا لانه اجمل واكثر مجداً من حاضرنا فنراها اعطت الجزء الاكبر المبهم للوحة بعدة اللوان تعمدت فيها التنوع والحيرة كحالة مؤرقة متعبة حين تجهل ماذا سيكون لون صباحكَ القادم . من الصعب ان يبتاعكَ طفل فتات حلم في دهاليز العصور . من معرض انامل تشكيليات عراقيات في وزارة الثقافة العراقية وجدت المسرح المتكامل لقضية وطن في لوحة رفاء البدري .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Wasseem
إلى الأعلى