الخميس , 9 أبريل 2020
آخر الاخبار
طالب دويك يتجول بين ثنايا الذاكرة ليبوح بما في جرابها

طالب دويك يتجول بين ثنايا الذاكرة ليبوح بما في جرابها

بقلم / الباحثة و التشكيلية التونسية: (دلال صماري )  لعل محاولة استعادة لحظات مهمة و بارزة يختزنها جراب الذاكرة يجعلني كقارئة لأي اثر فني ارتاد متاهة متشعبة المسالك و متشابكة الخطى ،أتوقف حينا و أتنقل أحيانا أخرى و هذا ربما لأننا نعيش زمن الا نظام على مستوى الأحداث ،و الإيقاع فتراه يغرق في الحنين تارة و طورا يتماهى مع الا دلالة و الا حدود ، لان الذاكرة انتقائية بطبعها و ليست موضوعية فلا تقودنا بالضرورة الى مرافئ محددة وواضحة المعالم. لعل أكثر ما يكثف الرؤية و يزود الفنان بمنابع خصبة هو ارتباط أثره الفني بفضاءات المدن حيث يعيش في جنباتها ردحا من الزمن يتبنى من خلالها مخزونا بصريا و فكريا ثريا قد لا ينتبه إليه أثناء تراكمه بقدر ما يدغدغه و يدق إليه ناقوس الحنين عندما يكون بصدد إنتاج عمل فني، و هذا ما أحسسته و انأ بصدد أعمال الفنان الفلسطيني طالب دويك ،أعمال شدتني لما فيها من حنين للمكان ،للقضية ، للإنسان الذي أصبح عملة نادرة الوجود هذه الأيام . طالب دويك فنان فلسطيني نشا حبه للفن منذ طفولته فكانت معظم كتبه و دفاتره المدرسية حبلى بما تخطها دواخله من رسومات و من هناك ولدت موهبته التي شجعه عليها شقيقه و بسبب قساوة الظروف المادية لم يستطع إكمال دراسته لولا المنحة الدراسية التي تحصل عليها فالتحق بمصر لمتابعة تكوينه الفني تخرج منها عام 1977 و عاد إلى ارض الوطن ليدرس الفنون بها و انظم إلى جمعية الفنانين التشكيليين هناك ، تعرض و العديد من زملائه إلى مضايقات من الكيان الصهيوني بغلق المعارض و مصادرة الأعمال التي كانت نوع من أنواع المقاومة . القارئ لأعمال هذا الفنان يلاحظ ولعه الشديد بمدينته القدس و التي كانت حاضرة في جل إعماله بطريقة مباشرة و أخرى غير مباشرة ،حيث عاش طفولته في حاراتها و بين أزقتها و كان قريبا من المسجد الأقصى و للأسف لما احتلت القدس سنة 1967 طرد من بيته مع عائلته و حمل في داخله حزنا دفينا و لكن في المقابل أيضا ذكريات و تفاصيل المكان لأنه ليس مجرد مكان ذو حيز و أسماء معروفة بل القدس بالنسبة له هي فضاء آهل بالشخوص و العبارات و الأحداث هي لحظات سعادة و حزن هذه الذكريات تسربت إلى أعماقه و استوطنت ثنايا ذاكرته “فأسماء الأشياء تتغير و لكن صفاتها تبقى، و هكذا يكون للماضي صلة بالحاضر، لكنها صلة خفية و غير مرئية، إنها تشبه الأسرار التي تتفتح و تقدم لك المفاجأة”(1)فلم يعد يستطيع طالب دويك ان ينفصل عن صورها الملونة و أزقتها الضيقة المتأججة بأصوات الجيران و دفئ المشاعر رغم طمس الكيان الصهيوني لأغلب ملامحها في محاولة لمحو هويتها ، إلا أن البوم ذكريات الفنان ظل ثريا يشع باستمرار و يقوض داخله شهوة الحياة و شهوة الإبداع، فترجمت هذه المعاناة الداخلية و الذكريات الملتهبة أعمالا فنية مختلفة الأشكال و المحامل و المواد ، أعمال مقترنة بصور انتسجت خلسة و هو يعيش في كنفها لحظات أساسية من عمره ،اقترنت القدس في ذاكرته بالطفولة في معناها الواسع و العميق لأنها انعكست في إنتاجه الفني معينا لا ينضب في لحظات مشرقة يستعين بها طالب دويك ليبدد ما يعترضه من كآبة ووحشة واقع القدس اليوم ، فيرسمها بألوانه البهيجة متحديا كوابيس الواقع ،فتحضر الأشجار و الأزهار و الربيع بمختلف تجلياته و يحضر المعمار بقبابه و التواء و منحنياته ليترجم جمال البناءات و أصالتها و يحضر المسجد الأقصى شامخا بين البنايات شموخ الجبال معانقا السحاب ، ترفرف في أعماله حمامات السلام استقى الفنان رموزه بإتقان من مخزون ذاكرته الثري “شريط دقيق و رفيع حلزوني و غير نهائي تكمن في داخله بذور و صور و أفكار تخرج كالومض إلى ساحة اليقظة ،يساعد الإدراك و الروح المشرقة على اتحادها مع العصر و التيارات الجديدة” (2) لغة ترميزية بالغة و معبرة عانق من خلالها فناننا ذكرياته في ذلك المكان الذي استحضره من خلالها ، فحدثتنا لوحاته عن علاقته به و مدى ارتباطها من خلال ما ارتسم في المخيلة من أحداث و تفاصيل يصوغها في كل ثنايا و زوايا لوحاته و ينقلها لنا بدقة متناهية كأنه سارد ماهر ، وهذا يبدو واضحا من خلال لوحاته التي تحكي لنا كل واحدة قصة مختلفة تتوفر فيها كل العوامل و الشروط المتاحة من مكان و زمان و شخوص و أحداث فنرى الصباح و المساء و الشروق و الغروب و نرى العمال و الأطفال و العائلة و نرى الحقول و المدينة و الأزقة و المساجد تحيلنا أعماله مباشرة إلى متاهات الذاكرة و عنفوان الطفولة و يفعان الشباب “تساعد العقل على التحليق و تجعله يحرض أعماق الشعور ، و في كثير من الأحيان تجد النفس فيه استقرار و سكينة ” (3) عبر طالب دويك بخطوطه و ألوانه و شخوصه و أمكنته …من خلال لمساته عن حبه و تعلقه بقضيته التي تظهر لنا جلية متضحة المعالم في أعماله قضية ملونة ، قضية حالمة ، قضية روحية. المكان في أعمال طالب دويك تجلى خطيا من خلال حضور المعمار و كل الأشكال التي اختارها له معها ألف حكاية أو ربما هي حكايات ألف ليلة و ليلة رواها لنا بشغف العاشق شخوصه و حيواناته و طيوره تؤثث مسرحه المكتظ ، الذي احتلت الألوان فيه أدوارا رئيسية عكست بشكل كبير ركحا تدور فيه أحداث بعينها تعكس حالة الفنان النفسية ،حيث خيم السكون و استعمل ألوان نوعا ما داكنة كالتي كانت في لوحة القدس ليلا كأنها تبعث إلى هدنة بين الذات و المكان لحظات من السكون تعم المكان ، لعلها لحظات تأمل في أن يتواصل ذلك الهدوء يتحسس من خلالها مشاعره و مدى انتمائه لذلك المكان الهادئ فيستعيد أيام قدس الطفولة الجميلة تلك المباني بقبابها و استدارتاها و تعرجاتها و روائحها و شخوصها. اهتم في اغلب أعماله بصور معمارية لا تخلو من شخوص كانت دائمة الحضور في شكل مجموعات و أفراد، جاءت اغلب أعماله بين الحقول و الأسواق و المباني القديمة و اهتم بتوزيع الضوء و أثره على أشكاله و ألوانه ،كما كان لحضور الألوان الحارة و المشعة الدور الرئيسي في صياغة أعماله حيث عكست بهجة الحقول و الأزهار و لحظات الجني و الأعمال الفلاحية ،كلما بعثت بنظرك متحولا بين البومات أعماله إلا و سافرت بعيدا في ذاكرة طالب الطفل ، طالب الإنسان الحساس بين عالمي الطبيعة و ألما وراء حيث عكست أعماله اتحاد الخيال و المكان و الذاكرة “أن الفن باعتباره غزل بالوجود ، و اتحاد بالجوهر ، يحاول أبدا أن يصل ذاته بالطبيعة ، أما الفنان فهو الذي يذهب بعيدا في صنع طبيعته الخاصة ، بل يذهب إلى ابعد من ذلك في بناء مدينته التي سيجعل منها و طنا لأحلامه و طريقا لخلاصه و هو إذ يقف إزاء نموذجه الداخلي موقف الشاهد المتأمل ، فانه سيسمح لنفسه في النهاية بان يتجسد معه ليصبحا كلا واحدا دون إن يفقد احدهما تماميته بالأخر” . (4) صنع طالب دويك من خلال أعماله مدينته الفاضلة و قدسه الحقيقية و المنشودة في أن فكانت لوحاته مسرحه الذي تلاعب فيه بالألوان و الخطوط و الشخوص و الأحداث فشطحت لوحاته و امتدت إلى فترة طفولته فلاطف ثنايا المكان و عايش أجزائه و تاريخه و رسم ملامح تجربة عميقة أحسست و انأ بصدد قراءتها بالبهجة و الأمل أمل بات يتضاءل داخلنا يوميا في استعادة مدينة الصلاة . *(1)محمد أبو زريق -المكان في الفن- مطبعة السفير عمان-2003-ص102 *(2)مصطفى علي -شكل الذاكرة -دار الثقافة و الأعلام الشارقة-ص93 *(3)مصطفى علي -شكل الذاكرة -دار الثقافة و الأعلام الشارقة ص 102 *(4)محمد أبو زريق -المكان في الفن- مطبعة السفير عمان-2003- ص 175 القدس ليل مقاس العمل 100/35سم. اصباغ واكريلك على كرتون الخطوط البارزه. سلوكون لاصق شمعي القدس 70/50 سم اكريلك على كرتون مقوي مع خطوط بارزه من ماده اللصق السلكون احلام الطفولة 70/50 كرتون مقوى الوان اكريلك برفقة لوحة “القدس تسكنني”الفنان

photo.php10253193_659123737458324_392498732_n10346672_659123827458315_1109213555_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Wasseem
إلى الأعلى